العيني
101
عمدة القاري
قصر الصلاة في السفر ، وهو الأفضل عند أصحابنا ، والذي في مسلم يدل عليه . وفيه : جواز المرور وراء سترة المصلي ، وقال ابن بطال : فيه : أنه يجوز لباس الثياب الملونة للسيد الكبير والزاهد في الدنيا ، والحمرة أشهر الملونات وأجل الزينة في الدنيا . وفيه : طهارة الماء المستعمل . قيل : فيه حجة على الحنفية في قولهم بنجاسة الماء المستعمل . قلت : ليس كذلك ، فإن المذهب أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه والتعجين به ، غير أنه ليس بطهور ، فلا يجوز به الوضوء ولا الاغتسال ، وكونه نجساً رواية عن أبي حنيفة وليس العمل عليها ، على أن حكم النجاسة في هذه الرواية باعتبار إزالة الآثام النجسة عن البدن المذنب فيتنجس حكماً ، بخلاف فضل وضوء النبي فإنه طاهر من بدن طاهر وهو طهور أيضاً أطهر من كل طاهر وأطيب . 81 ( ( بابُ الصَّلاَةِ في السُّطُوحِ وَالمِنْبَرِ والخَشَب ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الصلاة في المنبر . إلى آخره ، يعني : يجوز ، ولما كان فيه خلاف لبعض التابعين ، وللمالكية في المكان المرتفع لمن كان إماماً لم يصرح بالجواز وعدمه ، ولكن مراده الجواز . قوله : ( في المنبر ) كان ينبغي أن يقول : على المنبر ، وحديث الباب يدل عليه ، ولكن كلمة . في ، تجيء بمعنى : على ، كما في قوله تعالى : * ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) * ( طه : 17 ) والمنبر ، بكسر الميم ، من : نبرت الشيء إذا رفعته ، والقياس فيه فتح الميم لأن الكسرة علامة الآلة ، ولكنه سماعي ، و : ( السطوح ) جمع سطح البيت ، و : ( الخشب ) بفتحتين وبضمتين أيضاً . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ . هو البخاري نفسه . وَلَم يَرَ الحَسَنُ بأساً أنْ يُصَلَّى عَلَى الْجَمَدِ والقَناطِرِ وإنْ جَرَي تَحْتَهَا بَوْلٌ أوْ فَوْقَهَا أوْ أمامَهَا إذَا كانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ . مطابقة هذا الأثر للترجمة تأتي في القناطر ، والمراد من الحسن هو : البصري . قوله : ( على الجمد ) ، بفتح الجيم وسكون الميم وفي آخره دال مهملة . قال السفاقسي : الجمد ، بفتح الجيم وضمها : مكان صلب مرتفع ، وزعم ابن قرقول أن في كتاب الأصيلي وأبي ذر بفتح الميم . قال : والصواب سكونها ، وهو الماء الجليد من شدة البرد . وفي ( المحكم ) : الجمد الثلج ، وفي ( المثنى ) لابن عديس : الجمد ، بالفتح والإسكان : الثلج . قال أبو عبد ا موسى بن جعفر : الجمد ، محرك الميم : الثلج الذي يسقط من السماء . وقال غيره : الجمد والجمد بالفتح والضم ، والجمد بضمتين : ما ارتفع من الأرض وفي ( ديوان الأدب ) للفارابي : الجمد ما جمد من الماء ، وهو نقيض الذوب ، وهو مصدر في الأصل . وفي ( الصحاح ) الجمد ، بالتحريك جمع ؛ جامد ، مثل : خادم وخدم ، والجمد والجمد مثل : عسر وعسر ، مكان صلب مرتفع ، والجمع : أجماد وجماد ، مثل : رمح وأرماح ورماح . قوله : ( والقناطر ) جمع قنطرة . قال ابن سيده : هي ما ارتفع من البنيان ، وقال القزاز : القنطرة معروفة عند العرب . قال الجوهري : هي الجسر قلت : القنطرة ما تبنى بالحجارة ، والجسر يعمل من الخشب أو التراب . قوله : ( وإن جرى تحتها بول ) يتعلق بالقناطر فقط ظاهراً ، قاله الكرماني . قلت : يجوز أن يتعلق بالجمد ، لأن الجمد في الأصل ماء فبشدة البرد يجمد ، وربما يكون ماء النهر يجمد فيصير كالحجر حتى يمشي عليه الناس ، فلو صلى شخص عليه وكان تحته بول أو نحوه ولا يضر صلاته . فإن قلت : على هذا كيف يرجع الضمير في ( تحتها ) إلى الجمد وهو غير مؤنث ؟ قلت : قد مر أن الجوهري قال : إن الجمد جمع جامد ، فإذا كان جمعاً يجوز إعادة الضمير المؤنث إليه ، وكذلك الضمير في : ( فوقها ) و ( أمامها ) يجوز أن يرجع إلى القناطر بحسب الظاهر ، وإلى الجمد بالاعتبار المذكور ، والمراد من أمامها : قدامها . وقال بعضهم : الجمد الماء إذا جمد ، وهو مناسب لأثر ابن عمر الآتي أنه صلى على الثلج . قلت : إن لم يقيد الثلج بكونه متجمداً متلبداً لا تجوز الصلاة عليه فلا يكون مناسباً له ، وفي ( المحتبى ) : سجد على الثلج أو الحشيش الكثير أو القطن المحلوج يجوز إن اعتمد حتى استقرت جبهته ووجد حجم الأرض وإِلاَّ فلا . وفي ( فتاوى أبي حفص ) : لا بأس أن يصلي على الجمد والبر والشعير والتين والذرة ، ولا يجوز على الأرز لأنه لا يستمسك ، ولا يجوز على الثلج المتجافي والحشيش وما أشبهه حتى يلبده فيجمد حجمه . قوله : ( إذا كان بينهما سترة ) قال الكرماني : أي : بين القناطر والبول ، أو ؛ بين المصلي والبول ، وهذا التقييد مختص بلفظ : ( بأمامها ) دون ( أخويها ) . قلت : المصلي غير مذكور إلاَّ أن يقال : إن قوله : أن يصلي ، يدل على المصلى ، والمراد من السترة أن يكون المانع بينه وبين النجاسة إذا كانت قدامه ، ولم يعين حد ذلك ، والظاهر أن المراد منه أن لا يلاقي النجاسة سواء كانت قريبة منه أو بعيدة ، وقال ابن حبيب ، من المالكية . إن تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه أعاد إلاَّ أن تكون بعيدة